الاعدامات وقود الثورة المضادة

منصة 26 سبتمبر- من مذكرات القاضي/ عبدالرحمن الإرياني

 

وقد بقيت بعدها (الثورة) في تعز وطُلب مني أن أشرف على حصر مخلفات الإمام ومحتويات القصور في صالة وتعز والعرضي، فعهدنا إلى، عبدالغني مطهر، أحد الأحرار العاملين بحصر ما في قصر صالة وإلى علي محمد سعيد بحصر ما في دار الناصر وأشرفت أنا على جرد ما في دار العرضي. ومضت ثلاثة أيام ونحن نحصر كل دقيق وجليل وغالٍ ورخيص.

وأذهلني ما كنت أسمعه من الإذاعة عن الإعدامات التي تتم لرجال العهد البائد. وأبرقت للرئيس السلال أبرأ إلى الله من كل قطرة دم تسفك بدون حق وأرجو أن تستفيد الثورة من تجربة ثماني وأربعين، فقد كان قتل الإمام يحيى ومن معه هو السبب في قيام القبائل اليمنية لمناصرة الإمام أحمد ضد الإمام عبدالله الوزير الذي كان له في نفوس هذه القبائل من التقدير والحب ما كان. وجاء جواب الرئيس السلال يقول إننا إنما نعدم أعداء الشعب فأجبت عليه إن الدم يجر إلى الدم ولا أرى خيرًا و لا مصلحة في الإعدامات وفي السجن سعة ومندوحة، ولم يرد.

لقد كان رأيي يختلف مع رأي من في صنعاء في موضوع الإعدامات. كنت أرى أن الدماء التي سفك صبراً هي وقود للثورة المضادة، فكلما أستزادت منها الثورة الفصل الأول: الأحداث الأولى بعد الثورة فإنما تمد أمراء بيت حميدالدين بالوقود.

وكنت أرى أن في الحبس سعة وأن وجود الأمراء ورجال العهد البائد في قبضة الثورة تجعل منهم وسيلة ضغط على من فر من ذويهم وهم مع كل ذلك تحت أوامر الثورة وتصرفها، بينما إعدامهم يحرر ذويهم في العمل ويضاعف حقدهم ويعطيهم حجة لدن القبائل تقنعهم بضرورة محاربة الثورة.

كنت متأكدًا أن الدماء تجر الدماء، وكنت أعرف جيدًا نفسية القبائل اليمنية وعقائدهم، وكنت قبل ذلك وبعده أرى الثورة حقاً وعدلاً وقيمًا ورحمةً وتغييرًا إلى الأصلح والأمثل ولم يكن من رأيي أن تقع الثورة فيما كنا ننعاه على الإمام أحمد من جور وظلم وإستهانة بالدماء. هذا كله قلته، رفعته برقيًا وقلته عند اللقاء ولكن أحدًا لم يصغ لنصحي وإن كان الرئيس السلال قد أعتذر عند اللقاء بأن ضباط الثورة يجرون ذلك بدون أمر منه.

وقد وقع ما حذرت منه وعاشت اليمن ثمان سنوات في حرب أهلية سالت فيها الدماء وأزهقت النفوس، بينما كان في الإمكان تفاديها لو تجنبنا خطأين إثنين، الإعدامات بدون حكم ولا محاكمة، والإجهار بالعداء للسعودية وإشعارها بأن الثورة ضدها وأن المصريين إنما جاءوا ليصفوا حسابهم معها. هذا مع كونها كانت عازمة على محاربة كل تغيير يقوم في اليمن ولكنا كنا نأمل أن تذعن للأمر الواقع حينما لا تجد مبررًا لتدخلها يقنع العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *