العقول المدبرة للهجمات الحوثية

منصة ٢٦ سبتمبر – صحيفة الشارع:

من هما القياديان الحوثيان اللذان أشرفا على تطوير الترسانة الحوثية الجوية والبحرية التي لعبت دوراً محورياً في الحرب؟
منصور السعادي، وأحمد الحمزي، شخصيتان غامضتان لعبت القوات الجوية والبحرية الحوثية التي يرأسانها دوراً محورياً في الحرب في اليمن ليمتد تأثيرها إلى تهديد الأراضي السعودية وأمن البحر الأحمر

تحيط الجماعة القيادات العسكرية المؤثرة بسرية تامة وتمنعهم من الظهور إعلامياً كما هو الحال مع أركان القوات الجوية، أحمد علي أحسن الحمزي، أو شقيق زعيم الجماعة، عبدالخالق الحوثي

أوكلت المليشيا للحمزي قيادة القوات الجوية مطلع 2019، وهو العام الذي بلغت فيه قوة الحوثيين الصاروخية ذروتها سواء عبر الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيرة

برز القيادي الثاني المشمول بالعقوبات الأمريكية، منصور أحمد السعادي، إلى الواجهة في محافظة الحديدة والساحل الغربي منذ اجتياح الجماعة لها

تخفّى السعادي خلف كنية “أبو سجّاد” وهو بمثابة أمير البحر الأحمر والمسؤول الأول عن إعادة تشكيل قوة بحرية ودفاع ساحلي مهمتهما إقلاق بوارج التحالف وابتزاز المجتمع الدولي بتهديد ممرات الملاحة

يُتهم السعادي المنحدر من منطقة مرّان بصعدة بإدارة شبكة تهريب الأسلحة الإيرانية عبر البحر الأحمر إلى سواحل الحديدة

شكّل الحمزي والسعادي رأس الحربة في قوة الحوثيين العسكرية الضاربة، حيث شهدت فترة عمل الأول انطلاقة الهجمات بالطائرات المسيرة المفخخة، فيما تكفّل الثاني بتهديد أمن البحر

كان الحديث حول هوية الطائرات الحوثية مثار جدل إلا أن حطام بعض الأنواع التي تم إسقاطها يؤكد أنها إيرانية وصلت إلى الجماعة عن طريق التهريب وخصوصاً من منافذ المهرة

شهدت فترة عمل الحمزي ظهور نماذج جديدة من الصواريخ الباليستية التي يغلب عليها الطابع الإيراني في الشكل والمسميات

صاروخ ذو الفقار الذي كشفت عنه إيران أواخر العام 2016 بدأت جماعة الحوثي باستخدامه عام 2020 في 5 هجمات

في الأعوام الأولى من الحرب استغل الحوثيون تحالف المصلحة مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح في الحصول على ترسانة الصواريخ التي كانت في قبضة القوات الحكومية منذ 3 عقود كما ورثوا 6 خبراء أسلحة عراقيين

واصل الخبراء العراقيون مهامهم من معسكر الصيانة في سواد حنش في صنعاء، ومن هناك كان اهتمامهم ينصب على تطوير الصواريخ الباليستية الروسية الصنع المكدسة في مخازن الجيش

زوّدت إيران حلفاءها باليمن بقوارب مسيرة عن بُعد يمكن برمجتها لتتقدم على مسار واحد أو توجيهها نحو هدف باستخدام نظام التوجيه بواسطة كاميرا تلفزيونية كهروضوئية

تبدو العقوبات التي صدرت الثلاثاء بحق قائدي القوات الجوية والبحرية لدى الحوثيين رسالة تحذيرية للحوثيين بضرورة الانصياع للدعوات الأمريكية المتكررة لوقف الحرب والانخراط في مشاورات جادة

بعد أسابيع من تراجع الرئيس الأمريكي، بايدن، عن قرار سلفه ترامب تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية، شن الحوثيون هجوماً كبيراً على محافظة مأرب النفطية، آخر معاقل الحكومة الشرعية في شمال اليمن، في خضم هذا الهجوم، خرجت الإدارة الأمريكية بقرار فرض عقوبات على قياديين اثنين من الجماعة، على الرغم من أنهما من قادة الظل في الترسانة الحوثية، إلا أن انتقاء واشنطن أسميهما من قائمة طويلة ربما كانت معدة ضمن قرار التصنيف، يبدو نابعاً من كون الرجلين من أخطر العقول المدبرة للهجمات الجوية والبحرية.

ويساهم القرار في الكشف بشكل أكبر عن فلسفة الإدارة الأمريكية الجديدة التي تمضي في تجسيد سياسة مختلفة تجاه اليمن، فعلى الرغم من تصدر اليمن اهتمامات بايدن في الشرق الأوسط، إلا أن موقفه من جماعة الحوثيين تساهم بشدة في تحديده ما تمثله الجماعة من خطورة على الأمن “الداخلي” للمملكة العربية السعودية (الحليفة لواشنطن)، وأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر. ومع ذلك فإن القرار لا يبدو ذا أهمية بالغة فيما يتعلق بإمكانية الحد من قوة الحوثيين.

وأدرجت واشنطن، مساء الثلاثاء الماضي، القيادي الحوثي، منصور أحمد السعادي، رئيس أركان القوات البحرية للمليشيات، وأحمد علي أحسن الحمزي، رئيس أركان القوات الجوية، في قائمة العقوبات الخاصة بالخزانة الأمريكية، وهما شخصيتان غامضتان، لعبت القوات الجوية والبحرية الحوثية التي يرأسانها دوراً محورياً في الحرب في اليمن، حيث استطاعت تغيير جانب من موازين القوى، خلال العامين الماضيين، فالجماعة التي خاضت الأشهر الأولى للحرب بأسلحة تقليدية، وعرفت باحتراف حرب العصابات منذ نحو عقدين، أصبحت تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا، ليمتد تأثيرها إلى تهديد الأراضي السعودية، وأمن البحر الأحمر، الذي تريد إيران تحويله إلى ساحة للفوضى يلهي العالم عن مضيق هرمز.

فمن هما القياديان الحوثيان وكيف تطورت الترسانة الحوثية الجوية والبحرية؟


يميط البيان الصادر عن الخزانة الأمريكية اللثام عن هوية مدبّري الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية وتهديد خطوط الملاحة للمرة الأولى، حيث وجّه الاتهامات للقيادي السعادي بتلقي تدريبات مكثفة في إيران، والمساعدة على تهريب الأسلحة لليمن، فيما تم اتهام الحمزي بالحصول على أسلحة إيرانية الصنع لاستخدامها في حرب اليمن، بما في ذلك شن هجمات بطائرات مسيّرة في السعودية واليمن.

ويعد الحمزي والسعادي من قيادات الظل في جماعة الحوثي، التي تحرص على وضع بعض القيادات العسكرية غير المؤثرة في الواجهة بهدف إيصال رسائل للخصوم كجزء من الحرب النفسية، لكنها في المقابل تحيط القيادات العسكرية المؤثرة بسرية تامة، وتمنعهم من الظهور إعلامياً، كما هو الحال مع أركان القوات الجوية، أحمد علي أحسن الحمزي، أو شقيق زعيم الجماعة، عبدالخالق الحوثي، على سبيل المثال.

أوكلت الجماعة للحمزي، وهو قيادي في مطلع العقد الرابع من العمر، كما هو الحال مع غالبية قادة الصف الأول في الجماعة، قيادة القوات الجوية، مطلع 2019، وهو العام الذي بلغت فيه قوة الحوثيين الصاروخية ذروتها سواء عبر الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيرة بدون طيار.

ويعد الحمزي، الذي تسلم مهامه في القوات الجوية خلفاً للواء إبراهيم الشامي الذي فارق الحياة في ظروف غامضة، من القيادات الحوثية الغامضة والمؤدلجة، وخلافاً لظهوره النادر في وسائل الإعلام، تقول مصادر مقربة من الجماعة، إنه نفذ مهمات خارجية للجماعة قبل نحو عقد، وتدرب على أيدي الحرس الثوري وحزب الله اللبناني.

لا تقدم وسائل الإعلام الحوثية أي صورة لشكل القيادي الحمزي، وفي آخر ظهور إعلامي له أواخر ديسمبر الماضي، عند افتتاح معرض صور لقتلى القوات الجوية في صنعاء، دعا لـ “التصدي للمعتدين”، من أجل أن يحيا اليمن في أمان وحرية وكرامة، دون وجود أي لقطات مصورة له.

خلافاً للغموض الذي يلف هوية القيادي الحمزي الذي منحت له الجماعة رتبة “لواء”، برز القيادي الثاني المشمول بالعقوبات الأمريكية، منصور أحمد السعادي، في الواجهة، وخصوصاً في محافظة الحديدة والساحل الغربي، منذ اجتياح الجماعة لها.

تخفّى السعادي خلف كنية، كعادة الجماعة في إخفاء أسماء قادتها، فخلال السنوات الأولى من الحرب، بات “أبو سجّاد” بمثابة أمير البحر الأحمر، والمسؤول الأول عن إعادة تشكيل قوة بحرية ودفاع ساحلي مهمتهما إقلاق بوارج التحالف من جهة، وابتزاز المجتمع الدولي بتهديد ممرات الملاحة من جهة أخرى.

بعد توقيع اتفاق ستوكهولم أواخر 2018، أسندت جماعة الحوثيين للسعادي مهمة جديدة، وذلك بتعيينه عضواً في فريقها العسكري في لجنة التهدئة والتنسيق لوقف إطلاق النار، التي تشرف عليها الأمم المتحدة عبر لجنة دعم اتفاق الحديدة.

لا يزال السعادي عضوا حتى الآن في اللجنة، وأحد القيادات المتهمة بإفشال اتفاق ستوكهولم، وبعد العقوبات الأمريكية، ستكون لجنة إعادة الانتشار الأممية أمام اختبار عسير بقبول العمل مع القيادي المدرج في قوائم الخزانة الأمريكية للإرهاب، ومن المتوقع أن تصر الجماعة على عدم استبداله من أجل تحدّي القرار الأمريكي.

يُتهم السعادي، المنحدر من منطقة مرّان بصعدة، بإدارة شبكة تهريب الأسلحة الإيرانية عبر البحر الأحمر إلى سواحل الحديدة، ووفقاً لتقارير حكومية، يمتلك الرجل تاريخه الخاص في ذلك، فسبق أن اعتقلته السلطات، في مارس 2013م، ضمن طاقم سفينة تهريب الأسلحة الإيرانية الشهيرة “جيهان” قبل أن تفرج عنه الجماعة عقب اجتياح صنعاء في ديسمبر 2014م.

وشكّل الحمزي والسعادي، رأس الحربة في قوة الحوثيين العسكرية الضاربة، حيث شهدت فترة عمل الأول انطلاقة الهجمات بالطائرات المسيرة المفخخة، التي تستهدف المطارات والمنشآت الحيوية السعودية، إضافة إلى مواقع عسكرية داخل الأراضي اليمنية، فيما تكفّل الثاني بتهديد أمن البحر. فكيف تطورت هاتان القوتان في عهدهما؟

الطائرات المسيّرة قوة جديدة بيد الحوثيين

لم تحقق الضربات الصاروخية الحوثية أهدافها المرجوة جراء نشر السعودية لمنظومات دفاعية متطورة نجحت في إحباط عشرات الهجمات على أراضيها، الأمر الذي دفع جماعة الحوثيين اللجوء إلى سلاح جديد، استطاع في فترة وجيزة، تنفيذ هجمات خاطفة داخل العمق السعودي، وأصبح مصدر قلق لاستقرار المملكة.

بعد أشهر من استخدام جبهات القتال الداخلية كحقل تجارب لعدد من الطائرات، أعلن الحوثيون مطلع 2019، أنه سيكون “عام الطيران المسيّر”، وعبر طائرات صغيرة الحجم،

استطاعت الجماعة أن تبدأ تدريجياً في قلب المعادلة، رغم موجة التهكم التي قوبلت بها عند الكشف عن أول معرض للطيران المسير في العاصمة صنعاء، والذي حوى على مسميات عديدة من طائرات الدرونز.

اعتمد الحوثيون، بدرجة رئيسية، على طائرتي “صماد 3” و “قاصف K2” الهجوميتين، واللتين تمتازان بمدى طويل يصل إلى نحو 1500 كم وقدرتها على تضليل أنظمة الرادار التي تخفق في رصدها، وفقاً لما أعلنه متحدث الجماعة العسكري، يحيى سريع، في يناير 2019.

بدا أن الهدف الرئيسي لعشرات الهجمات الحوثية، وخصوصاً التي تستهدف مناطق الحد الجنوبي، هو إرباك السعودية وتحييدها عن شن غارات داخل الأراضي اليمنية، إلا أن الجماعة تبنت تنفيذ 5 هجمات واسعة أطلقت عليها “عمليات توازن الردع”، وكانت آخرها عندما اُستهدفت عدد من المواقع السعودية بـ 15 طائرة مسيرة، أواخر فبراير الماضي. قالت العديد من التقارير إن الهجوم إيراني مباشر.

انطلقت أولى هذه العمليات في 17 أغسطس 2019، بعد إطلاق 10 طائرات مسيرة استهدفت حقل ومصفاة الشيبة النفطي التابع لأرامكو، وكانت العملية الثانية التي تم تنفيذها بـ10 طائرات أيضاً في 14 سبتمبر 2019، على مصفاتي بقيق وخريص التابعتين لأرامكو في المنطقة الشرقية، هي الأقوى أثراً بعد أن أدت إلى شل سوق النفط العالمي وتوقف الإنتاج.

وخلال العام الماضي 2020، استهدفت 12 طائرة مسيرة شركة أرامكو وأهدافاً أخرى في ينبع السعودية، فيما استهدف سرب آخر أهدافاً عسكرية هي وزارة الدفاع السعودي، ومقر الاستخبارات، وقاعدة الملك سلمان الجوية في العاصمة الرياض.

في العمليات الكبرى، كانت الجماعة تلجأ إلى تطعيم الهجمات بصاروخ باليستي كعملية مشتركة لسلاح الجو وما تصفها بالقوة الصاروخية، ووفقاً لخبراء، فقد كانت الجماعة تستبق إرسال الصاروخ بعدد من الطائرات تعمل على تشويش منظومة الرادارات وأنظمة الدفاع الجوية أو تعطيلها حتى يكون الطريق سالكاً أمام الصاروخ الباليستي للوصول إلى هدفه.

ومن خلال الطائرات المسيّرة أيضاً، استفادت جماعة الحوثيين في إثراء بنك أهدافها العسكرية داخل الأراضي السعودية، عندما قامت بعمليات تجسس ورصد على نطاق واسع، ففي العام 2020 فقط، تحدث الحوثيون عن تنفيذ 5166 عملية استطلاعية داخل اليمن وخارجه، وفقاً للمتحدث العسكري يحيى سريع.

تصدر مطار أبها الدولي قائمة بنك أهداف الطائرات المسيرة، يليه منشآت أرامكو ومطاري نجران وجازان، وحتى في حال عدم نجاحها في إصابات دقيقة مع استمرار الملاحة فيها، إلا أن الطائرات المفخخة شكّلت مصدر قلق دائم للتحالف، كما أحرجت طائرة الأواكس التي نشرتها السعودية في الأجواء اليمنية مطلع الحرب، كمنظومة إنذار مبكر من أي تهديدات قادمة من الأراضي اليمنية.

وطيلة الفترة الماضية، كان الحديث حول هوية الطائرات الحوثية مثار جدل، ففي حين يؤكد التحالف بقيادة السعودية وحلفائه أنها إيرانية الصنع، تواصل الجماعة دعوة أنصارها للتبرع المادي بعد فتح اعتمادات في البنوك الخاضعة لسيطرتها، بهدف تعميد فكرة أنها يمنية الصنع، إلا أن حطام بعض الأنواع التي تم إسقاطها في اليمن أو في الأراضي السعودية، يؤكد أنها إيرانية وصلت إلى الجماعة عن طريق التهريب، وخصوصاً من منافذ المهرة، التي ظلت بؤرة تهريب نشطة طيلة العامين الماضيين، قبل أن يتنّبه التحالف لذلك ويحكم قبضته على منفذي شحن وصرفيت.

صواريخ باليستية ببصمات إيرانية

خلافاً للطائرات الهجومية، شهدت فترة عمل القيادي الحوثي الحمزي، ظهور نماذج جديدة من الصواريخ الباليستية التي يغلب عليها الطابع الإيراني في الشكل والمسميات، حيث كشفت الجماعة في العام 2019 عن صاروخ باليستي مجنّح أطلق عليه “قدس”، وهو من طراز صواريخ كروز الجوّالة ذاتية الدفع، التي يمكنها التحليق على ارتفاع منخفض مثل الطائرات، وهو ما يصعب رصدها من منظومات الباتريوت.

صاروخ “ذو الفقار” الذي كشفت عنه إيران أواخر العام 2016، باعتباره عضواً جديداً في عائلة صواريخ فاتح 110 بعيدة المدى التي تعمل بالوقود الصلب المركب، بدأت جماعة الحوثي باستخدامه عام 2020 في 5 هجمات، فيما كانت العملية السادسة في فبراير الماضي، جميعها استهدفت العاصمة الرياض، إذ يقتصر استخدامه عندما تكون الأهداف بعيدة المدى.

ومن إجمالي 346 صاروخاً باليستياً أعلن التحالف اعتراضها منذ بداية الحرب، لم تُحدث الضربات الأثر الكبير في العمق السعودي، خلافاً لضربات صافر والساحل الغربي في العام الثاني من الحرب.

أثارت الصواريخ الحوثية جدلاً واسعاً في أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وعكف خبراء أسلحة طيلة السنوات الماضية على دراسة مصادرها بعد اتهامات متكررة بأنها إيرانية الصنع.

لا تبدو تُهم الصناعة الإيرانية دقيقة معها جميعاً، باستثناء بعض النماذج طويلة المدى، ففي الأعوام الأولى من الحرب، استغل الحوثيون تحالف المصلحة مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح في الحصول على ترسانة الصواريخ التي كانت في قبضة القوات الحكومية منذ 3 عقود، كما ورثوا 6 خبراء أسلحة عراقيين، فضلوا البقاء في اليمن بعد مغادرة عدد من زملائهم نحو الأردن مطلع العام 2015.

واصل الخبراء العراقيون مهامهم من معسكر الصيانة، أو ما يعرف بمعسكر سلاح المهندسين، الواقع خلف مقر وزارة الإعلام في سواد حنش بالعاصمة صنعاء، ومن هناك كان اهتمامهم ينصب على تطوير الصواريخ الباليستية الروسية الصنع المكدسة في مخازن الجيش.

في البداية، استخدم الحوثيون الصواريخ الروسية كما هي، وبنفس المسميات من سكود إلى توشكا، وبعد اكتساب المزيد من الخبرات لجأت الجماعة إلى استراتيجية جديدة هدفها مجاراة السعودية والظهور كنّد لها بصواريخ تقول إنها يمنية الصنع.

خاض خبراء الأسلحة عدة تجارب ركزّت، وفقاً لمصدر عسكري يعمل في سلاح المهندسين بصنعاء في مجال صيانة المعدات الثقيلة بالقوات الحكومية، على إطالة خزانات الوقود وتوسيعها ليبلغ طولها نحو متر ونصف حتى تحقق الصواريخ مدى أطول، لكن هذه الخطة كانت تخفق في بعض المرات سواء عندما يفشل خزان الوقود في الانفصال عن رأس الصاروخ ويجعله يسقط في موقع داخل الأراضي اليمنية أو في مكان بعيد عن المكان المحدد في بنك الأهداف.

بعد نجاح عدة تجارب، بدأت الجماعة بتغيير هوية الصواريخ الروسية من حيث المدى والمسميات، وذلك بإطلاق مسميات جديدة يغلب عليها البصمات الإيرانية، مثل بركان وقدس 1، لكن عدداً من الصواريخ أثبتت تحقيقات أممية وأمريكية أنها إيرانية الصنع بشكل كامل.

بعد نجاح منظومة الباتريوت السعودية في اعتراض غالبية الصواريخ الحوثية قبل الوصول إلى أهدافها، زوّدت إيران حلفاءها الحوثيين بعدة صواريخ من طراز ذو الفقار الباليستي، الذي فاخر الحرس الثوري بعد الكشف عنه، بأنه “تكتيكي” ويتمتع بقابلية الإفلات من تتبع الرادار، كما يمكن إطلاقه من منصة متحركة.

هذا الامتياز الأخير، وفّر للحوثيين عناء الصواريخ الروسية التي يستوجب إطلاقها من قاعدة ثابتة، فمع صاروخ ذو الفقار الذي يمتاز بخفة وزنه، بات بمقدور الجماعة إطلاق صاروخ باليستي صوب السعودية، من أي سلاسل جبلية حدودية محاذية للحد الجنوبي وليس من قاعدة عسكرية في صنعاء.

نجحت إيران في تهريب عدد من الصواريخ الباليستية إلى اليمن عبر منافذ بحرية عديدة، أبرزها سواحل الحديدة والمهرة، ووفقاً لتقرير سابق للجنة العقوبات الأممية بالتعاون مع الاستخبارات الأمريكية، فقد كشفت نتائج فحص حطام أجزاء من الصواريخ التي سقطت في الأراضي السعودية، وجود أدلة تؤكد أنها تعرضت لعملية تفكيك من أجل تسهيل عملية نقله على عدة أجزاء.

خلص التقرير إلى وجود بقايا “لحام ميداني” في خزان أكسدة الوقود، في إشارة إلى إعادة تجميعه باليمن من قبل ورشة محلية وليس في منشأة إيرانية التي عادة ما تستخدم اللحام الصناعي المتقن.

زواق انتحارية

بعيداً عن الأجواء، شكّل البحر مسرحاً جديداً للهجمات الحوثية المسيرة عن بُعد، عبر زوارق مفخخة، تزايد نشاطها بشكل ملحوظ منذ تولي القيادي بالجماعة، منصور السعادي، مسؤولية أركان القوات البحرية والدفاع الساحلي.

ورثت جماعة الحوثي الزوارق البحرية المتطورة التي قدمتها الحكومات الغربية للحكومات اليمنية المتعاقبة في النظام السابق، من طراز طوربيد، لمساعدتها على تأمين الموانئ منهجمات القراصنة وعمليات التهريب، كما قامت بتشييد قوارب محلية مسيّرة، بعد شحنها بواسطة خبراء يُعتقد أنهم إيرانيون بالأسلحة المتفجرة.

لم تكن هذه الزوارق هي الترسانة البحرية الوحيدة للمليشيات الحوثية، وطبقاً لتقرير عسكري سعودي، فقد زوّدت إيران حلفاءها باليمن بقوارب مسيرة عن بُعد، من طراز “شارك 33″، والتي يمكن برمجتها لتتقدم على مسار واحد، أو توجيهها نحو هدف عبر استخدام نظام التوجيه بواسطة كاميرا تلفزيونية كهروضوئية.

خلال العامين الماضيين، وفّر اتفاق ستوكهولم الموقع أواخر 2018 فرصة ذهبية للحوثيين في تنمية قدراتهم البحرية النوعية، وذلك باستحداث ورش تصنيع زوارق محلية في مناطق مختلفة على سواحل الحديدة، وخصوصاً الصليف واللحية، وهو ما جعل البحرية الأمريكية تبدي مخاوفها من “زوارق فتاكة بلا ربّان”، اعتبرتها “سلاحاً يثير المخاوف”، وكافياً لتهديد ممرات الملاحة في المياه الدولية وخصوصاً باب المندب.

أعلن التحالف أنه نجح في تدمير أكثر من 50 زورقاً حوثياً منذ بداية الحرب، 30 منها فقط، تم استهدافها بعد توقيع اتفاق ستوكهولم، وقال إنها تخطط لشن هجمات بحرية على ممر التجارة العالمي من سواحل محافظة الحديدة المشمولة باتفاق ستوكهولم.

وخلافاً للعمليات الهجومية الجوية التي تفاخر بها وتُسارع بتبنيها، تدرك جماعة الحوثيين أن القيام بخطوات مماثلة لأنشطتها البحرية سيفقدها ورقة مهمة لابتزاز المجتمع الدولي، ويقود إلى تدويل الأزمة اليمنية بشكل أكبر، ولذلك كانت تلتزم الصمت حتى في حال أصابت عملياتها الأهداف المرسومة.

بعد نجاح هجومها البحري المفخخ في استهداف محطة التفريغ العائمة التابعة لمحطة أرامكو في ميناء جازان، منتصف نوفمبر الماضي، والذي أقرت به وزارة الطاقة السعودية، ذهبت الجماعة للاحتفال عبر تنفيذ استعراض زوارق حربية هو الأول من نوعه في البحر الأحمر.

عرضت الجماعة مخزونها من الزوارق المفخخة التي أعادتها للخدمة وقالت إن ذلك سيمنحها “فرصة أكبر للمراقبة وحماية المياه الإقليمية”، في رسالة تحدٍ واضحة للتحالف والمجتمع الدولي، مفادها أن ممرات الملاحة باتت تحت رحمتها، وأن البحر الأحمر بات منطقة غير مستقرة.

وعلى الرغم من الحظر البحري وامتلاكه لأسطول حديث مكون من 4 فرقاطات وعشرات الزوارق الحديثة من طراز “هالتر” و”ناجا” إلا أن التحالف بقيادة السعودية أخفق في منع وصول الأسلحة الإيرانية إلى الحوثيين، وأقر في أكثر من مناسبة أن طول سواحل اليمن يصعب مراقبتها كاملة بدقة.

استخدم الحوثيون الزوارق السريعة وسيلة جديدة لتخطي رقابة القوة البحرية للتحالف، وتنفيذ عمليات خاطفة لتهريب أسلحة من القرن الإفريقي إلى سواحل الجبّانة والصليف في الحديدة.

أكدت تقارير عسكرية يمنية، أن الزوارق الصغيرة نجحت في نقل قطع تصنيع الطائرات المسيرة من سواحل القرن الإفريقي، أو من على متن السفينة الإيرانية “سافيز” المرابطة على مسافة قريبة من سواحل اليمن لتنفيذ أنشطة مشبوهة.

هل ستؤثر العقوبات على قدرات الحوثيين العسكرية؟

ومن المؤكد أن طول أمد الحرب قد منح جماعة الحوثي فرصة اكتساب خبرات متراكمة، لكن القدرات النوعية التي تبدو متقدمة بالنسبة لجماعة حديثة العهد في خوض الحروب، لا يمكن أن تتم دون مساندة رفيعة قدّمها خبراء عسكريون نجحوا في التسلل إلى الأراضي اليمنية بعد الحرب، بذات الطريقة التي وصل فيها المبعوث الإيراني، حسن إيرلو، إلى صنعاء، في أكتوبر الماضي.

ومع أن قرار العقوبات يركز على هذه النقطة تحديداً، أي علاقة إيران بتطور أسلحة الحوثيين، إلا أنه من المستبعد أن يساهم في الحد من قدرات الجماعة العسكرية وحتى إمكانية نموها، ومن الواضح أن رحلة تطور قوتيها الجوية والبحرية قد حدثت في ظل حصار خانق من التحالف العربي وبدعم لوجستي أمريكي، وفي عهد ترامب الذي كانت سياسته أكثر تشدداً تجاه إيران وحلفائها الحوثيين، فما الذي يمكن أن يحدث في عهد بايدن، الذي يريد أن يتخفف من هذا الدعم؟

في الواقع، تبدو العقوبات التي صدرت الثلاثاء بحق قائدي القوات الجوية والبحرية لدى الحوثيين، رسالة تحذيرية للحوثيين بضرورة الانصياع للدعوات الأمريكية المتكررة لوقف الحرب، والانخراط في مشاورات جادة مع مبعوثها الجديد إلى اليمن، تيموثي ليندركينغ، أكثر مما يمكن اعتبارها عقوبات ضد اثنين من القادة العسكريين يعيشون في الظل ولا معنى لعقوبة تقييد حركة سفرهم، كما أنه من المستبعد أن يكون لديهما حسابات بنكية في دول غربية.

ومع ذلك لا توجد مؤشرات حقيقية بأن جماعة الحوثي قد استوعبت رسالة العقوبات بالعودة إلى مسار السلام، وغداة صدور قرار الخزانة الأمريكية، واصلت ذات القوة التي طاولتها العقوبات، هجماتها الجوية على شركة أرامكو وأهداف سعودية عبر صواريخ باليستية وطائرات مسيرة بدون طيار، رغم الانحسار النسبي في هجومها العدائي على مأرب منذ مطلع مارس الجاري والذي قد يعود أساساً لصلابة القوة الدفاعية التي واجهتها على تخوم مأرب.

وقد لا تريد جماعة الحوثي التفريط بالمكاسب التي حصلت عليها من الإدارة الأمريكية الجديدة، سواء عقب شطبها من قوائم الإرهاب ووقف الدعم العسكري للتحالف، لكن من الواضح أنها تريد استثمار العلاقة المتوترة بين إدارة بايدن والسعودية بالحصول على امتيازات أكبر، وهو ما يتضح من خلال استمرار التصعيد ضد السعودية، بالتزامن مع مناقشات أجرتها قيادات حوثية، في اجتماع مباشر مع مسؤولين أميركيين كبار في سلطنة عمان أواخر فبراير الماضي.

  • مركز العربية السعيدة للدراسات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *