كورونا والنظام العالمي الجديد

 

د. عثمان بخاش:

أكد وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في مقالة نشرها في جريدة وال ستريت أن جائحة فيروس كورونا “كوفيد – 19” ستغير النظام العالمي للأبد، وأن تأثيرها المضر على الصحة العامة قد يكون مؤقتا، إلا أن الأزمة السياسية والاقتصادية التي خلفها تفشي الفيروس ستستمر أجيالاً عديدة، وختم بالقول إن العالم يعيش الآن فترة تاريخية، وأن التحدي التاريخي أمام قادة العالم هو إدارة هذه الأزمة وبناء المستقبل، وأضاف بأن الفشل في تحقيق ذلك قد يؤدي إلى إشعال العالم. كما حذر جاك أتالي، مستشار الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، من أن منظومة السيادة المؤسَسة على حماية الحقوق الفردية يمكن أن تنهار سوية مع الآليتين اللتين وضعتهما موضع التطبيق: السوق والديموقراطية… و”لئِن أخفقت المنظومات الغربية بذلك، فقد نشهد قيام أنظمة سلطوية بالرقابة على المواطنين من خلال استعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي بفاعلية كبيرة “، داعيا قادة العالم إلى “العمل على أن يكون هذا الانتقال بصورة معتدلة، من دون المرور في أرض يباب مليئة بالأنقاض”. يؤكد ما سبق ذكره مقولة “العالم بعد كورونا لن يكون كما كان قبله”!

ما من شك بأن هناك العديد من الشواهد المقلقة بشأن جائحة كورونا، سواء لجهة حجم الوفيات المتزايد باضطراد أو سواء للإجراءات التي تتخذها الدول إزاءها من حظر وحجر وإغلاق شبه كامل للبلاد. يضاف إلى هذا حملات إعلامية متسقة الأداء حيثما حللت في شرق العالم وغربه أو شماله وجنوبه مع استثناءات قليلة جداً، يخرج معها المتابع برأس مصدع من حملات الفزع المصاحبة لجائحة كورونا، التي وصفها بعض قادة العالم بأنها توازي الحرب العالمية الثانية، وأن الأمر سيكون بالنسبة لأمريكا “أشبه بلحظة بيرل هاربر، أو لحظة 11 سبتمبر (أيلول)، مع فارق أن الضربة لن تكون في مكان واحد”، وذلك حسبما صرح الجراح الأمريكي جيروم آدامز لفوكس نيوز الأمريكية. فهل هناك تحول حقيقي في النظام الدولي، وما هي سماته، وهل سيكون نقيضاً لما هو موجود أو تراجع قوى دولية وتقدم قوى أخرى، وما هو هيكل النظام السياسي الدولي وماهيته “ما بعد الكورونا”!

أسئلة كثيرة لا تبدو الإجابة ممكنة بشكل حاسم عليها بعد. إلا أن هناك عدة ملاحظات في هذا الصدد نطرحها للتفكر فيها، نعرضها على النحو التالي:

١- من الملاحظ في كل التغطية الإعلامية بروز ظاهرة الخوف ثم الخوف المزلزل ثم الهلع وهذا على مستوى العالم كله تقريبا. فيما أرى أن هذا الخوف مبالغ فيه أشد المبالغة حين نعلم أن الأمراض الفتاكة كالسرطان وأمراض القلب تحصد، في أميركا لوحدها في ٢٠١٦ مثلا، ٢٣٠٣ ضحية يوميا أي ضحية كل ٣٨ ثانية بحسب منظمة أمراض القلب الأميركية، أما حوادث اطلاق النار فيسقط، في أميركا، بسببها ٤٧٥ إصابة يوميا بحسب مركز مكافحة الأمراض CDC، هذا دون ذكر سائر ضحايا الأمراض عالميا، أو ضحايا صراعات العنف التي تحصد حوالي ٢٥٠ ألف ضحية سنويا بحسب أسوشياتد برس… مع هذا كله، وغيره كثير، لم نسمع كل هذه الضجة الإعلامية غير المسبوقة؟

٢- ما ذكرناه لا ينفي خطورة كورونا، لا سيما أننا لم نصل ذروة هذه الموجة بعد ناهيك عن نهايتها، كما لا يعني هذا بحال من الأحوال إهمال التعاطي معها، بل يهدف للتساؤل عن المراد من هذا التهويل والتضخيم، وهل هو مبرر حقاً، أم أن وراء الأكمة ما وراءها، لا سيما أن أكثر الإصابات تقع في صفوف العجائز وأصحاب العلل الصحية، ما يعني أن التهديد يطال شريحة معينة من البشر، وأن الكورونا لا تشكل خطراً محدقاً بالبشر كما يتم تصويره!

٣- سيمر وباء كورونا ولو بعد حين حاصدا عشرات أو مئات آلآف الضحايا… لكن ما علاقة كورونا بإنتاج نظام عالمي جديد، يعيد تشكيل المشهد الدولي برمته حسبما يتم تبشيرنا طوال الوقت!؟ فهل سيؤدي هذا الحدث إلى زحزحة أميركا عن موقع الدولة الأولى في العالم؟ ولو حصل هذا فمن سيحل مكانها؟؟ كذلك ما علاقة كورونا بالموازين الجيوستراتيجية في العالم؟ سواء كان تنامي الاقتصاد الصيني أم القوة الضاربة المهيمنة لأميركا على المسرح الدولي؟ وهل ستتصدى الصين لشغر منصب “ربان” السفينة العالمية؟؟ قطعا لا هذا لن يحدث. هل ستتصدى ألمانيا لهذا المنصب؟ قطعا لا… لأسباب كثيرة لا محل لعرضها الآن. إذن ما المغزى من وراء التبشير بولادة نظام عالمي جديد؟؟ وما هو المقصود منه!

٤- حين نراقب التداعيات المحلية لكورونا في المجتمعات نجد أنه تحت ذريعة كورونا قامت أغلب الدول بتعزيز تدخلها السافر في مراقبة أخص خصوصيات مواطنيها. سواء كيف ينبغي على الناس التنقل أو الاجتماع أو التسوق، مع تنظيم تفصيلي يشبه التعامل مع المساجين. والملاحظ أن كورونا دخلت كل بيت على سطح المعمورة، بينما كانت 9/11 محصورة في بقاع معينة، فكورونا “وحدت” بين مصائر البشر حيثما كانوا ومهما كانت خلفياتهم، وقد قامت الصين بإضفاء مسحة خاصة على عملية التحكم هذه بمواطنيها، إذ نشرت أسطولاً من طائرات الدرون التي تحصي على الناس أنفاسهم، وكثيرون شاهدوا الفيديوهات حين تقوم طائرة درون بتوبيخ رجل فلاح يعمل في حقله في الريف وتأمره بالعودة إلى بيته، أو توبخ امرأة عجوزاً في الشارع وتأمرها بالعودة إلى البيت، أو تلاحق ولداً صغيراً في الشارع وتأمره بالعودة إلى البيت…كما أذيع أن الصين نشرت برنامجاً على التلفون الذكي يقيس حرارة صاحب التلفون و ينبئه بإمكانية إصابته بالكورونا، ثم يرسل المعلومات إلى الشرطة… وقس على ذلك.

٥- هذا كله ينتهي بنا إلى أن “القرية الدولية ” Global Village قد أصبحت واقعاً حياتيا ملموسا على سطح الكرة الأرضية، يتحكم فيها الأخ الكبير Big Brother كما جاء في رواية جورج أوريل الشهيرة “1984”. ما يعني انتهاء الحقوق الفردية التي بشر بها ما يسمى بالعالم الحر (العالم الرأسمالي الغربي)، ويعني بالتالي انتقالنا إلى حالة تحكم الدول بحياة الناس بشكل تفصيلي رهيب، يذكرنا بالأنظمة الشمولية مع تكنولوجيا عالية الدقة وقدرة أكبر على ضبط المجتمعات وتوجيهها. وتتم هذه الاجراءات تحت ستار ضرورة مواجهة “رعب كورونا” وتحت ظروف التهويل واستثارة الخوف عند الجميع.

أعيد التأكيد على أن الأسئلة المطروحة كثيرة، وأن حالة الذعر التي نعيشها تثير الريبة، وقد تخبئ وراءها ما لا يحمد عقباه، لا سيما أن معالجة كورونا لها أسبابها العلمية، التي يمكن القيام بها دون إفراط ولا تفريط، أما استغلالها لصالح الحكومات التي أدمنت الفساد في العالم واستباحت خيراته وملأته حروباً وشروراً، فهذا غير مبرر ولا مقبول ويجب على الناس التوقف عنده ومواجهته ورفضه.

المصدر: آفاق ميديا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *